محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 15
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
بين يديه الأرض التي خلقها اللّه من بقية طينة آدم عليه السلام ، وأحضر له سوق الجنة ، وأحضر له أجساد الأرواح النورية والنارية والمعاني العلوية ، وعرفه بموازينها ومقاديرها ونسبها ونسبها ، فأراه السنين في صورة البقر ، وأراه خصبها في سمنها ، وأراه جدبها في عجافها ، وأراه العلم في صورة اللبن ، وأراه الثبات في الدين في صورة القيد ، وما زال يعلمه تجسد المعاني والنسب في صور الحس والمحسوس ، فإن كل رؤيا صادقة ولا تخطىء ، فإذا أخطأت الرؤيا ، فالرؤيا ما أخطأت ، ولكن العابر الذي يعبرها هو المخطىء ، حيث لم يعرف ما المراد بتلك الصورة ، ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم ما قال لأبي بكر حين عبر رؤيا الشخص المذكور « أصبت بعضا وأخطأت بغضا » وكذلك قال في الرجل الذي رأى في النوم ضربت عنقه ، فوقع رأسه فجعل الرأس يتدهده وهو يكلمه ، فذكر له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن الشيطان يلعب به ، فعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صورة ما رآه ، وما قال له خيالك فاسد ، فإنه رأى حقا ، ولكن أخطأ في التأويل ، فأخبره صلى اللّه عليه وسلم بحقيقة ما رآه ذلك النائم ، فالعابر للرؤيا هو الذي له جزء من أجزاء النبوة ، حيث علم ما أريد بتلك الصورة ، فقد يكون الرائي هو الذي يراها لنفسه ، وقد يراها له غيره ، والعابر هو صاحب علم تعبير الرؤيا . ( ف ح 2 / 275 - ح 1 / 307 ، 165 ) فلا يعلم مرتبة عالم الخيال إلا اللّه ، ثم أهله من نبي أو ولي مختص ، غير هذين فلا يعرف قدر هذه المرتبة ، والعلم بها أول مقامات النبوة ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أصبح وجلس مجلسه بين أصحابه ، يقول لهم « هل فيكم من رأى رؤيا ؟ » وذلك ليرى ما أحدث اللّه البارحة في العالم ، أو ما يحدثه في المستقبل ، وقد أوحى به إلى هذا الرائي في منامه ، إما صريح وحي ، وإما وحي في صورة يعلمها الرائي ، ولا يعلم ما أريد بها ، فيعبرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أراد اللّه بها ، فهذا كان من اعتنائه صلى اللّه عليه وسلم بهذه المرتبة المجهولة عند العلماء . ( ف ح 3 / 507 ) فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج إلى علم آخر ، يدرك به الرائي ما أراد اللّه بتلك الصورة ، قال إبراهيم عليه السلام لابنه إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ والمنام حضرة الخيال ، فلم يعبرها ، وكان كبشا ظهر في صورة ابن إبراهيم عليه السلام في المنام ، فصدّق إبراهيم الرؤيا ، ففداه ربه من إبراهيم عليه السلام بالذبح العظيم ، الذي هو تعبير